الشيخ باقر شريف القرشي

131

أخلاق النبي ( ص ) وأهل بيته ( ع )

وكان يحثّ على صدقات السرّ ويقول : « إنّها تطفئ غضب الرّبّ » « 1 » . وكان يخرج في غلس الليل البهيم فيوصل الفقراء بهباته وعطاياه وهم لا يعرفونه ، وقد اعتاد الفقراء على صلته ، فكانوا ينتظرونه واقفين على أبواب بيوتهم ، فإذا رأوه تباشروا ، وقالوا : « جاء صاحب الجراب » « 2 » . وكان له شخص من أرحامه يأتيه بالليل فيناوله الدنانير ، فيقول له العلوي : « إنّ عليّ بن الحسين لا يوصلني » ، ويدعوا عليه ، فيسمع الإمام عليه السّلام ذلك ويغضي عنه ، ولمّا توفّي عليه السّلام فقد العلوي الصلة ، وعلم أنّ الذي كان يوصله الإمام ، فكان يأتي إلى قبره باكيا معتذرا منه « 3 » ، وقال ابن عائشة : سمعت أهل المدينة يقولون : « ما فقدنا صدقة السرّ حتّى مات عليّ بن الحسين » « 4 » . كان الإمام عليه السّلام شديد التكتّم في صلاته وهباته ، فكان إذا ناول أحدا شيئا غطّى وجهه لئلا يعرفه النّاس « 5 » . ويقول الذهبي : إنّه كثير الصدقة في السرّ « 6 » ، وكان يجعل الطعام الذي يوزّعه على الفقراء في جراب ويحمله على ظهره ، وقد ترك ذلك أثرا عليه « 7 » . وروى اليعقوبي أنّه لمّا غسل بعد وفاته وجدوا على كتفيه جلب كجلب البعير « 8 » ، فقيل لأهله : « ما هذه الآثار ؟ » ، فقالوا : « من حمله للطعام في الليل يدور به على منازل الفقراء » « 9 » .

--> ( 1 ) تذكرة الحفّاظ : 1 / 75 . أخبار الدول : 110 . نهاية الأب : 21 / 326 . ( 2 ) بحار الأنوار : 46 / 89 . ( 3 و 5 و 7 ) حياة الإمام عليّ بن الحسين عليهما السّلام : 1 / 89 . ( 4 ) صفة الصفوة : 2 / 54 . الاتحاف بحبّ الأشراف : 49 . ( 6 ) تذكرة الحفّاظ : 1 / 75 . ( 8 ) الجلب : القشرة التي تعلو الجرح عند البرء . ( 9 ) تاريخ اليعقوبي : 2 / 303 .